المقالاتقصص

الورقاتُ الثَّلاثُ

عدد المشاهدات 2392

كَانَ يَا مَا كاَن ، فِي قَدِيمِ الزَّمَان ، رَجُلٌ عَفِيفٌ مُعْدِمٌ عَائِلٌ اِسْمُهُ غَسَّانُ ، وَكَانَ لَدَيْهِ زَوْجَةٌ صَادِقَةُ الْعَهْدِ اِسْمُهَا حَنَانُ .

كَانَ غَسَّانُ رَغُمَ شِدَّةِ فَقْرِهِ وَاحْتِيَاجِهِ ؛ فَهُوَ لَا يَسْألُ النَّاسَ إِلْحَافًا ، يَذْهَبُ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى مَزَارِعَ الزَّيْتُونِ فِي مُحِيطِ بَلْدَتِهِ ؛ لِيَقُومَ بِتَنْظِيفِهَا ، فَمَنْ أَعْطَاهُ أَخْذَ ، وَمَنْ أَحْجَمَ تَغَافَلَ عَنْهُ .

وَبَعْدَ أَنْْ يَنْتَهِيَ مِنْ جَمْعِ أَوْرَاقِ شَجَرِ الزَّيْتُونِ ، يَذْهَبُ لِبَيْعِهَا فِي الْمُدُنِ الْمُجَاوِرَةِ ، فَيَحْصُلَ عَلَى قُوتِ يَوْمِهِ .

وَهَكَذَا ظَلَّ غَسَّانُ عِدَّةَ سَنَوَاتٍ ، يُمَارِسُ ذَلِكَ الْعَمَلَ دُونَ أَيِّ مَلَلٍ أَوْ كَلَلٍ .

وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأيَّامِ مَرَّ رَجُلٌ غَرِيبٌ عَلَى مَزَارِعَ الزَّيْتُونِ ! فَرَأَى غَسَّانَ مُنْهَمِكًا فِي جَمْعِ وَرَقِ شَجَرِ الزَّيْتُونِ ، فَاقْتَرَبَ مِنْهُ وَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .
فَرَدَّ غَسَّانُ : وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ .
قَالَ الْرَّجُلُ : مَاذَا تَفْعَلُ يَا هَذَا بِالْوَرَقِ ؟
فَخَزَرَ غَسَّانُ ، فِإذَا بِرَجُلٍ عَجِيبٍ مِبْطَانٍ وَاقِفًا ، فَقَالَ لَهُ : وَمَاذَا تَسْتَفِيدُ إِنْ أَدَمْتَ النَظَرَ إِلَيَّ ؟
قَالَ الرَّجُلُ : إِنِّي مُشْفِقٌ عَلَيْكَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ .

وَاصَلَ غَسَّانُ عَمَلَهُ ، وَبَعْدَ أَنْ أَتَمَّ الْجَمْعَ اِسْتَرْخَى تَحْتَ ظلِّ شَجَرَةٍ ، ثُمَّ سَبَتَ ، وَفِي الْمَنَامِ رَأَى فِي السَّمَاءِ ثَلَاثَ وَرَقَاتٍ خُضْرٍ صِغَارٍ ، تَعْقُبُهَا ثَلَاثٌ كِبَارٌ تَتَسَاقَطُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ تَلَاهَا مَطَرٌ بَرَّاقٌ !

اِسْتَفَاقَ غَسَّانُ مِنْ نَوْمِهِ مَشْدُوهًا مُتْعَجِّبًا مِنْ ذَلِكَ الْحُلُمِ ، وَظَلَّ يُفَكِّرُ وَيَتَبَصَّرُ ، ثَلَاثُ وَرَقَاتٍ صِغَارٍ ، وَثَلَاثُ وَرَقَاتٍ كِبَارٍ ، تَتَسَاقَطُ مِنَ السَّماءِ وَبَعْدَهَا غَيْثٌ .

عَادَ غَسَّانُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَلَمْ يُحْضِرْ مَعَهُ شَيْئًا لِعَائِلِتِهِ ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى السُّوقِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ كَلِيلًا خَائِرًا .

اِسْتَلْقَى غَسَّانُ عَلَى سَرِيرِهِ سَاهِمًا ، فَلَاحَظَتْ عَلَيْهِ زَوْجتُهُ ذَلِكَ وَقَالَتْ : مَا بِكَ يَا عَزِيزِي ؟ أَرَاكَ هَائِمًا بِفِكْرِكَ عَلَى غَيْرِ الْعَادَةِ !
قَالَ غَسَّانُ : لَقَدْ نِمْتُ الْيَوْمَ مَعَ الظَهِيرَةِ ، وَرَأَيْتُ حُلُمًا غَرِيبًا !
قَالَتْ : وَمَا ذَلِكَ الْحُلُمُ ؟
قَالَ : رَأَيْتُ فِي السَّمَاءِ ثَلَاثَ وَرَقَاتٍ خُضْرٍ صِغَارٍ ، تَلَتْهَا ثَلَاثٌ كِبَارٌ ، تَتْسَاقَطُ عَلَيَّ ، وَبَعْدَهَا نَزَلَ مَطَرٌ بَرَّاقٌ .

تَبَسَّمَتْ حَنَانُ وَقَالَتْ : سَتَحِلُّ عَلَيْنَا الْبَرَكَةُ إِنْ شَاءَ اللهُ ، لَا تُخبِرْ أَحَدًا بِذَلِكَ .
اِنْبَسَطَ غَسَّانُ ، وَتَفَاءَلَ بِالْخَيْرِ ، وَنَامَ مِرْتَاحَ الْبَالِ .

وَفِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ ، ذَهَبَ إِلَى تِلْكََ الْمَزْرَعَةِ الَّتِي جَمَعَ مِنْهَا أَوْرَاقَ الزَّيْتُونِ ، فَلَمَّا وَصَلَ اِنْدَهَشَ وَذُهِلَ وَفُجِعَ !
ثُمَّ قَالَ فِي نَفْسِهِ : أَيْنَ الْوَرَقُ الَّذِي جَمَعْتُهُ ؟
هَلْ أَخَذَهُ أَحَدٌ ؟ أَمْ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَتْ بِهِ عَاصِفَةٌ ؟
وَجَالَتْ فِي عَقْلِهِ عِدَّةُ تَسَاؤُلَاتٍ ، وَلَكِنَّهُ اِقْتَنَعَ بِأَنَّ ذَلِكَ قَضَاءُ اللهِ وَقَدَرِه ، وَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُهَوِّنَ عَلَيْهِ وَيُعَوِّضَهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ .

تَوَجَّهَ غَسَّانُ إِلَى مَزْرَعَةٍ أَخْرَى ، وَأَخَذَ يَجْمَعُ وَرَقَ الزَّيْتُونِ ، وَبَيْنَمَا هُوَ مُنْهَمِكٌ ، عَادَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ مَرَّةً أُخْرَى وَقَالَ : السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ .
فَردَّ غَسَّانُ : وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ ، وَالْتَفَتَ ، ثُمَّ عَبَسَ ، ثُمَّ قَالَ : أرَجَعْتَ إِلَيَّ مَرَةً أُخْرَى ؟ أَنْتَ مَصْدَرُ شُؤْمٍ وَنَحْسٍ ، لَقَدْ حَرَمْتَنِي بِالْأَمْسِ قَوتَ عِيَالِي ، أَرْجُو أَنْ تَبْتَعِدَ عَنِّي !
قَالَ الرَّجُلُ : قَبْلَ أَنْ أَنْصَرِفَ ، خُذْ هَذِهِ !
قَالَ غَسَّانُ : وَمَا هَذِهِ ؟
قَالَ الرَّجُلُ : ثَمَنُ مَا جَمَعْتَهُ بِالْأَمْسِ ، ثُمَّ تَوَارَى .

نَظَرَ غَسَّانُ إِلَيْهَا ، فَإذَا بِهَا ثَلَاثَةُ دِرَاهِمَ مِنْ فِضَّةٍ ! فَظَلَّ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ : أَيُعْقَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ مُقَابِلَ ذَلِكَ الْوَرَقِ ؟

بَحَثَ غَسَّانُ عَنْ مِحْفَظَةٍ مُنَاسِبَةٍ فَلَمْ يَجِدْ ، فَرَأَى قِطْعَةَ قِمَاشٍ فَأَخَذَهَا وَعَمِلَ مِنْهَا مِحْفَظَةً ، ثُمَّ وَضَعَ الدَّنَانِيرَ فِيهَا ، وَرَبَطَهَا حَوْلَ خَصْرِهِ رَبْطًا مُحْكَمًا ، وَوَاصَلَ عَمَلَهُ بِكُلِّ هِمَّةٍ وَنَشَاطٍ .
حَمَلَ غَسَّانُ مَا جَمَعَهُ ، وَذَهَبَ لِبيْعِهِ كَالْمُعْتَادِ ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَمَعَهُ قُوتُ عِيَالِهِ .

وَبَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ، أَحْضَرَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ الْعَشَاءَ فَرَأَتْهُ مُتَغَيِّرًا ، فَسَأَلَتُهُ : مَا بِكَ يَا حَبِيبِي ؟
لَمْ يَسْمَعْ غَسَّانُ سُؤَالَهَا ؛ لِأَنَّ فِكْرَهُ كَانَ مَشْغُولًا !
كَرَّرَتْ زَوْجَتُهُ السُّؤَالَ مَرَّةً أُخْرَى ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُجِبْ !
فَجَلَسَتْ بِجَانِبِهِ وَحَدَّقَتْ إِلَيْهِ ، ثُمَّ أَمْسَكَتْ بِيَمِينِهِ وَقَالَتْ : مَا بِكَ يَا عَزِيزِي ؟
اِبْتَسَمَ غَسَانُ وَقَالَ : مُنْذُ مَتَى وَأَنْتِ هُنَا ؟
قَالَتْ : أَلَمْ تَرَنِي ؟ ألَمْ تَشْعُرْ بِي ؟ مَا الَّذِي حَصَلَ لَكَ ؟ مَا الَّذِي غَيَّرَكَ ؟
قَالَ : سَأُخْبِرُكُ بِشَيْءٍ ، وَلَكِنْ عَاهَدِينِي أَلَّا يَعْلَمَ بِهِ أَحَدٌ غَيْرَنَا !
قَالَتْ : أُعَاهِدُكَ أَلَّا أُخْبِرَ أَحَدًا .

أَنْبَأََ غَسَّانُ زَوْجَتَهُ بِالْحَدَثِ ، فَابْتَسَمَتْ وَاسْتَبْشَرَتْ وَقَالَتْ : أرِنِي الثَّلَاثَةَ دَرَاهِمَ .
أَخْرَجَ غَسَّانُ الْمِحْفَظَةَ وَفَتَحَهَا وَهِيَ تُرَاقِبُ ، فَلَمَّا رَأَتْهَا ، هَزَّهَا السُّرُورَ ، ثُمَّ قَالَتْ : الْحُمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيه .
حَبِيبِي غَسَّانُ : سَيَتَغَيَّرُ حَالُنَا إِلَى الْأَفْضَلِ بِمَشِيئَةِ اللهِ إِنْ نَفَّذَّتَ خُطَّتِي !
قَالَ : وَمَا خُطَّتُكِ ؟
قَالَتْ : إِنَّ جَارَنَا أَبُو الْحَسَنِ قَدْ عَرَضَ مَزْرَعَتَهُ لِلْبَيْعِ ، اِذْهَبْ إِلَيْهِ وَاشْتَرِهَا مِنْهُ ، وَسَتَدِرُّ عَلَيْنَا تِلْكَ الْمَزْرَعَةُ بِالْخَيْرِ الْكَثِيرِ .

وَبَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، ذَهَبَ غَسّانُ إِلَى مَزْرَعَةِ أَبِي الْحَسَنِ ، فَوَجَدَهُ جَالِسًا عِنْدَ شَجَرَةٍ بَاسِقَةٍ يَفْطُرُ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ .
رَدَّ أبُو الْحَسَنِ السَّلَامَ وَقَالَ : أَهْلًا وَسَهْلًا بِجَارِي وَأَخِي وَصَدِيقِي ، اجْلِسْ وَافْطُرْ مَعِي .

جَلَسَ غَسَّانُ وَشَارَكَ أَبَا الْحَسَنِ الْإِفْطَارَ ، وَبَعْدَ أَنْ أَفْطَرَا قَالَ لَهُ : سَمِعْتُ بِأَنَّكَ سَتَبِيعُ مَزْرَعَتَكَ هَذِهِ .
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : نَعَمْ .
قَالَ غَسَّانُ : وَكَمْ تُرِيدُ فِيهَا ؟
قَالَ : لَقَدْ دُفِعَ فِيهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، وَأَنَا أُرِيدُ أَرْبَعَةً .
قَالَ غَسَّانُ : أََنََا أَخُوكَ وجَارُكَ ، وَقَدْ أَوْصَى اللهُ وَرَسُولُهُ بِالْجَارِ ، مَعِي ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، وَهِيَ رَأْسُ مَالِي ، وَلَوْ مَعِي غَيْرُهَا لَأَعْطَيْتُكَ .
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : أَنْتَ نِعْمَ الْجَارُ وَالْأخُ ، وَأَنَا عَالِمٌ بِحَالِكَ ، لَقَدْ رَضِيتُ بِمَا مَعَكَ ، وَأَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكَ فِيهَا .

اِبْتَهَشَ غَسَّانُ ، ثُمَّ نَهَضَ مُقَبِّلًا رَأْسَ أَبِي الْحَسَنِ ، وَسَلَّمَهُ الثَّلَاثَةَ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ قَامَا بِالْمُكَاتَبَةِ بِحُضُورِ شَاهِدَيْنِ ، وَسَلَّمَهُ مِلْكِيَّةَ الْأَرْضِ .

عَادَ غَسَّانُ إِلَى مَنْزِلِهِ مُسْرِعًا مُتَهَلِّلَ الْوَجْهِ ، فَلَمَّا خَشَّ مَنْزَلَهُ بَقِيَ يُرَدِّدُ : الْحَمْدُ لِله الْحَمْدُ لِله …
قَالَتْ زَوْجُتُهُ : أَأَشْتَرَيْتَ الْمَزْرَعَةَ ؟
قَالَ : أَجَلْ أَجَلْ .

اِبْتَهَجَتْ حَنَانُ وَزَغْرَدَتْ وَانْهَلَّتْ دُمُوعَهَا مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ .
جَاءَ الْأَوْلَادُ مُهَرْوِلِينَ وَقَالُوا : مَاذَا حَدَثَ ؟ مَاذَا حَدَثَ ؟
قَالَتْ : لَقَدِ اشْتَرَى وَالِدِكُمْ مَزْرَعَةَ جَارِنَا أَبِي الْحَسَنِ .
صَفَّقَ الأولاد وَبَشُّوا ، وَجَعَلُوا يَنِطُّونَ حُبُورًا وَسُرُورًا وَيُرَدِّدُونُ : الْحُمْدُ لله الْحَمْدُ لله …
وَقَالُوا : هَيَّا هَيَّا لِنَخْرُجْ الْآنَ وَلِنُشَاهِدْ مَزْرَعَتَنَا .

طَلَعَتْ الْأُسْرَةُ فِي يَوْمٍ غَائِمٍ بَهَيٍّ ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْمَزْرَعَةِ فَاهَتْ حَنَانُ : اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرا ، والْحَمْدُ للهِ كَثِيرا ، وُسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ، مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ ، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي رَزَقَنَا مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنَّا وَلَا قُوَّةٍ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهَا ، وَارْزُقْنَا كَفَافًا ، وَأَقْنِعْنَا بِمَا آتَيْتَنَا .

وَبعْدَ صَلَاةِ الظُّهِرِ ، شَرَعَتْ الْأُسْرَةُ مُبْتَدِئَةً بِتَنْظِيفِ وَجَمْعِ أَوْرَاقِ الزَّيتُونِ .
وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، أَدَامَتْ حَنَانُ النَّظَرَ فِي ابْنِهَا مَرْوَانَ وَقَالَتْ : تَجَشَّمْ يَا مَرْوَانُ ، وَسَاعِدْ أَبَاكَ ، وَاذْهَبْ مَعَهُ لِبَيْعِ الْوَرَقِ ، وَلِنَتَفَاءَلْ بِالخَيْرِ .

وَاصَلَتْ أُسْرَةُ غَسَّانَ الذَّهَابَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى مَزْرَعَتِهِمْ ، فَكَانُوا يَقُومُونَ بِالسَّقْيِ والتَّنْظِيفِ وَجَمْعِ الْوَرَقِ ، حَتَّى بَارَكَ اللهُ لَهُمْ ، فَأَثْمَرَتْ جَمِيعُ الْأَشْجَارِ ، وَحَانَ القِطَافُ .

وَمِنْ غَيْرِ مِيعَادٍ ، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى مَزْرَعَةِ غَسَّانَ فَرَآهُ مُنْهَمِكًا فِي عَمَلِهِ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ .
اِلْتَفَتَ غَسَّانُ وَرَدَّ : وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةِ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ، أَهْلًا وَسَهْلًا ، تَفَضَّلْ يَا أَخِي الْكَرِيمَ ، فَأَجْلَسَهَ وَضَيَّفَهُ وَأَحْسَنَ ضِيَافَتَهُ .
فَقَالَ الرَّجُلُ : أَعَرَفْتَنِي ؟
فَكَّرَ غَسَّانُ ، وَأَمْعَنَ النَّظَرَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : بَلَى بَلَى ، أَنْتَ الرَّجُلُ الَّذِي أَعْطَانِي الثَّلَاثَةَ دَرَاهِمَ ، إِنَّ لِسَانِي عَاجِزَةٌ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ كَلِمَاتِ الشُّكْرِ ، فَأَنْتَ لَكَ الْفَضْلُ بَعْدَ اللهِ فِي شِرَائِي هَذِهِ الْمَزْرَعَةَ .
قَالَ الرَّجُلُ : الْحَمْدُ للهِ والشُّكْرُ لَهُ .

وَبَعْدَ مُحَاوَرَةٍ لَطٍيفَةٍ قَالَ الرَّجُلُ : أٌرِيدُ شِرَاءَ جَمِيعِ ثِمَارِ الزَّيْتُونِ الَّتِي فِي مَزْرَعَتِكَ ، وَسَأُعْطِيكَ مُقَابِلَهَا ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا .

شُدِهَ غَسَّانُ شَدْهًا ثُمَّ قَالَ : مَا أَكْرَمَكَ وَأَشْهَمَكَ وَأَنْبَلَكَ ! إِنَّهَا لَا تُسَاوٍي مَا دَفَعْتَ ، الثَّلَاثُونَ كَثِيرَةٌ .
قَالَ الرَّجٌلُ : لَيْسَت كثيرةً ، فَأَنَا سًأَجْنٍي مِنْ تلِْكَ الثٍّمَارِ أَضْعَافَ مَا دَفَعْتُهُ ، وَأَرْجُو أَنْ تَقْبًلَ .
قَالَ غَسَّانُ : أَنَا مُوَافِقٌ وَلَكِنْ بِشَرْطٍ .
قَالَ الرَّجُلُ : وَمَا شَرْطُكَ ؟
قَالَ غَسَّانُ : سَأَقُومُ أَنَا وَأُسْرَتِي بِمُسَاعَدِتَكَ فِي الْجَنيِ والْجَمْعِ وَالتَّحْمِيلِ .
قَالَ الرَّجُلُ : قَبِلْتُ شَرْطَكَ ، وَهَذَا كَرَمٌ مِنْكَ وَجَمِيلٌ لَنْ أَنْسَاهُ .

اِسْتَلَمَ غَسَّانُ الْمَبْلَغَ ، وَأَصَرَّ بِأَنْ يَكْتُبَ إِقْرَارًا .
قَرَّظَ الرَّجُلُ غَسَّانَ ، وشَكًرَهُ عَلَى حُسْنِ صَنِيعِهِ ، وَأَشَادَ بٍتَوَاضُعِهِ ، وَأَمَانَتِهِ ، وَرَحَابَةِ صَدْرِهِ .

ذَهَبَ غَسَّانُ إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَأَعْلَمَ زَوْجَتَهُ بِمَا جَرَى ، فَقَالَتْ : الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ ، لَقَدْ حَقَّقَ اللهُ رُؤْيَاكَ ، فَاحْمُدِ اللهَ وَاشْكُرْهُ عَلَى مَا رَزَقَكَ ، وَلَا تَغْتَرَّ .
قَالَ غَسَّانُ : الْحَمْدُ للهٍ وَالشُّكْرُ لَهُ ، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَنِي زَوْجَةً صَالِحَةً ، تَقِيَّةً ، صَابِرَةً ، أَمِينَةً ، عَاقِلَةً ، نَاصِحَةً .

تأليف : مهدي جدُّه حكمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com