اجتماعيةالمقالات

خَلْطَةُ الْعَسَلِ السَّحْرِيَّةُ

لَقَدْ حَدَثَ وَكَانَ ، قَبْلَ أَعْوَامٍ مِنَ الزَّمَانِ ، رَجُلٌ ضَرِيرٌ قَدْ بَانَ ، يَلْعَبُ بِالْعُقُولِ وَالْأذْهَانِ .

قَدِمَ ذَلِكَ الضَّرِيرُ خَبِيرٌ ، مَعَ حَلِيلَتهِ غَدِيرِ ، عَلَى أَهَالِي بَلْدَةِ الْحَسِيرِ ، وَكَانَ يَدَّعِي التَّطَبُّبَ وَالْمُدَاوَاةَ لِحَالَاتِ الْعُقْمِ وَتَأُخِّرِ الْإِنْجَابِ .

عَلِمَ بَعْضُ أَهَالِي بَلْدَةِ الْحَسِيرِ ، بِأَنَّ ذَلِكَ الضَّرِيرَ لَهُ دِرَايَةٌ وَمَعْرِفَةٌ وَثَقَافَةٌ طِبِّيَةٌ وَاسِعَةٌ ، وَأَنَّ لَدَيْهِ دَوَاءً يُذْهِبُ الْعُقْمَ لِكِلَا الزَّوْجَيْنِ .

وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ ، جَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا خَبِيرُ : تَزَوّجْتُ مِنْ خَمْسِ سَنَوَاتٍ وَلَمْ تَحْمِلْ زَوْجَتِي إِِلَى الْآنَ ؟
فَقَالَ لَهُ : الْاسْتِشَارَةُ مَعَ الدَّوَاءِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا .

ذَهَبَ الرَّجُلُ ، ثُمَّ عَادَ بَعْدَ سَاعَةٍ ؛ وَمَعَهُ خَمْسُونَ دِينَارًا ، ثُمَّ قَالَ لِخَبِيرٍ : لَقَدْ أَحْضَرْتُ الْمَطْلُوبَ .
نَادَى زَوْجَتَهُ غَدِيرَ وَقَالَ لَهَا : تَأَكَّدِي مِنْهَا !
فَحَصَتْهَا ثُمَّ قَالَتْ : أُوُصِه ، وَذَهَبَتْ .

قَالَ الضَّرِيرُ لِلْرَّجِلِ : اِقْتَرِبْ مِنّي ، ثُمَّ خَافَتَ لَهُ قَائِلًا : صَارِحْنِي ، هَلْ عِنْدَمَا تَأْتِي زَوْجَتَكَ تَكُونُ فاتحَ العَيْنَيْنِ ؟
قَالَ الرَّجُلُ : نَعَمْ ! وَكَيْفَ عَرَفْتَ ذَلِكَ ؟
قَالَ : أَنَا ضَرِيرٌ لَكِنِّي بَصِيرٌ ، لَا تَفْتَحْ عَيْنَيْكَ مُطْلَقًا عِنْدَ الْوِصَالِ ، وَافْطُرَا سَوِيًا مِنْ هَذَا العَسَلِ لِمُدَّةِ خَمْسِينَ يَوْمًا ، وَسَتَحْمِلُ زَوْجَتُكَ بِمَشِيئَةِ اللهِ ، وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا بِذَلِكَ ؛ وَإِلَّا فَلَنْ تَحْمِلَ زَوْجَتُكَ .

نَفَّذَ الرَّجُلُ التَّعْلِيمَاتِ ، وَفِعْلًا بَعْدَ خَمْسِينَ يَوْمًا حَمَلَتْ زَوْجَتُهُ ، فَأَخْبَرَتْ صَدِيقَتَهَا الَّتِي لَمْ تَحْمِلْ مُنْذُ عِدَّةٍ سَنَوَاتٍ .

وَبَعْدَ بِضْعَةِ أيَّامٍ جَاءَهُ رَجٌلٌ فَقَالَ لَهُ : إِنَّ زَوْجَتِي لَمْ تَحْمِلْ مِنْ سَبْعِ سَنَوَاتٍ ، فَقَالَ لَهُ الضَّرِيرُ خَبِيرٌ : أَحْضِرْ سَبْعِينَ دِينَارًا .

وَبَعْدَ نِصْفِ سَاعَةٍ أَحْضَرَ الرَّجُلُ مَا طُلِبَ مِنْهُ ، فَحَصَتْهَا وَعَدَّتها زَوْجُتُهُ وَقَالَتْ : أُوصِه ، ثُمَّ ذَهَبَتْ .

قَالَ لَهُ : اقْتَرِبْ مِنِّي ، ثٌمَّ خَافَتَ لَهُ قَائِلًا : صَارِحْنِي ، هَلْ عِنْدِمَا تَأْتِي زَوْجَتَكَ تُغْمِضُ عَيْنَيْكَ أَمْ تَفْتَحُهُما ؟
قَالَ الرَّجُلُ : مَرَةً أفْتَحُهُمَا وَمَرَةً أُغْمِضُهُمَا .
قَالَ الضَّرِيرُ : شَهْرًا وَخَمَسَةَ أَيَّامٍ افْتَحْ عَيْنَيْكَ ، وَشَهْرًا وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ اغْمِضْهُمَا ، وَتَنَاوَلَا مِنْ هَذَا الْعَسَلِ ، شَهْرًا وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ إِفْطَارًا ، وَشَهْرًا وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ عَشَاءً ، وَسَتَحْمِلُ زَوْجَتُكَ بِمَشِيئةِ اللهِ ، وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا بِذَلِكَ ؛ وَإِلَّا فَلَنْ تَحْمِلَ زَوْجَتُكَ .

وَفِعْلًا حَمَلَتْ زَوْجَتُهُ بَعْدَ سَبْعِينَ يَوْمًا ، فَذَهَبَتْ وَأَخْبَرَتْ صَدِيقَتَهَا الَّتِي لَمْ تَحْمِلْ مُنْذُ عِدَّةِ سَنَوَاتٍ .

أَخْبَرَتْ تِلْكَ الْمَرأَةُ زَوْجَهَا ، فَذَهَبَ إِلَيْهِ مُهَرْوِلًا مُسْتَبْشِرًا ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ طَرَقَ الْبَابَ وَسَمِعَ كَلِمَةَ (تَفَضَّلْ) ، دَخَلَ الرَّجُلُ فَإِذَا بِالضَّرِيرِ جَالِسًا ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ : إِنَّ زَوْجَتِي لَمْ تَحْمِلْ مُنْذُ عَشْرِةِ أَعْوَامٍ ، فَقَالَ لَهُ : أَحْضِرْ مِائةَ دِينَارٍ .

وَبَعْدَ بِضْعَةِ دَقَائِقٍ أَحْضَرَ الرَّجُلُ الْمَطْلُوبَ ، عَدَّتْ غَدِيرُ الدَّنَانِيرَ وَقَالَتْ : أُوصِه ، وذَهَبَتْ .

قَالَ الضَّرِيرُ لَهُ : صَارِحْنِي ، هَلْ عِنْدَمَا تَأْتِي زَوْجَتَكَ تُغْمِضُ عَيْنَيْكَ ؟
قَالَ : نَعَمْ ، وَكَيْفَ عَرَفْتَ ؟
قَالَ : أَنَا ضَرِيرٌ لَكِنِّي بَصِيرٌ ، لَا تُغْمِضْهُمَا مُطْلَقًا عِنْدَ الْوِصَالٍ ، وَتَغَدَّيَا سَوِيًّا مِنْ هَذَا الْعَسَلِ لِمُدَّةِ مِائةِ يومٍ .

نَفَّذَ الرَّجُلُ التَّعْلِيمَاتِ ، وَلَكِنَّ زَوْجَتَهُ لَمْ تَحْمِلْ ، فَجَاءَهُ وَقَالَ لَهُ : إِنَّ زَوْجَتِي لَمْ تَحْمِلْ ! أَعِدْ لِي مَا أَعْطَيْتُكَ .
فَقَالَ الضَّرِيرُ : أَتُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ السَّبَبَ ؟
قَالَ الرَّجُلُ : نَعَمْ .
قَالَ : لَمْ تُنَفِّذْ التَّعْلِيمَاتِ مِائةً بِالمِائةِ .
غَضِبَ الرجلُ ثُمَّ وَقَفَ وَقَالَ : لَقَدْ عَملْتُ كَمَا قَلْتَ لِي ، أَنْتَ كَذَّابٌ وَدَجَّالٌ ، فَتَعَارَكَا ، فَوَكَزَهُ الضَّرِيرُ فِي بَطْنِهِ ، فَتَوَجَّعَ الرَّجُلُ وَتَرَاجَعَ لِلْوَرَاءِ وَارْتَكَزَ جَانِبًا .

نَادَى خَبِيرٌ زَوْجَتَهُ غديرَ وَقَالَ لَهَا : انْظُرِي إِلَى الرَّجُلِ ، أُحِسُّ أَنَّهُ قَدْ عَنَّ وَلَمْ أَسْمَعْ لِأَسْنَانِهِ صَرِيرًا .

نَظَرَتْ إِلَيْهِ فَإِذَا بِهِ جُثَّةٌ هَامِدَةٌ وَقَالَتْ : هَيَّا لٍنَهْرُبْ بِسُرْعَةٍ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ ؛ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَهْلُهَا بِذَلِكَ .

أَخَذَتْ غَدِيرُ بَعْضَ مَا يَلْزَمُ ، ثُمَّ أَمْسَكَتْ بِيَدِ زَوْجِهَا وَخَرَجَا خِفْيَةً .

رَحَلَا إِلَى بَلْدَةٍ بَعِيدَةٍ اِسْمُهَا الْحَسْمُ ، فَلَمَّا وَصَلَا قَدِمَا عَلَى عُمْدَتِهَا .
رَحَّبَ عُمْدَةُ الْقَرْيَةِ بِهِمَا وَأَكْرَمَهُمَا وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا .

وَفِي الْمَسَاءِ عَلِمَ خَبِيرٌ أَنَّ الْعُمْدَةَ لَيْسَ مَعَهُ أَوْلَادًا ، فَسَأَلَهُ : مَتَى تَزَوَجْتَ ؟
قَالَ الْعُمْدَةُ : مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا .
قَالَ خَبِيرٌ : وَإِذَا أَخْبَرْتُكَ بِشَيْءٍ يَجْعَلُ زَوْجَتَكَ تَحْمِلُ ! فَهَلْ تُعْطِينِي عِشْرِينَ قِطْعَةً ذَهَبِيَّةً ؟
قَالَ الْعُمْدَةُ : حَالِيًا لَا أَمْلِكُ الْعِشْرِينَ ، مَعِي الْآنَ خَمْسٌ .
فَقَالَ : حَسَنًا ، سَآخُذُ الْخَمْسَ ؛ لَأَنَّكَ أَكْرَمْتَنِي وَآوَيْتَنِي .
قَالَ الْعُمْدَةُ : وَإِذَا حَمَلَتْ زَوْجَتِي فَسَأُعْطِيكَ مَا تَشَاءُ ، أَخْبِرْنِي مَاذَا أَفْعَلُ ؟
قَالَ : الْآنَ نَحْنُ فِي فَصْلِ الشِّتَاءِ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الشِّتَاءُ ؟ يَحْلُو فِيهِ الْلِّقَاءُ ، وَالْحُضْنُ والدِّفَاءُ .
تَظَلُّ عِشْرِينَ يَوْمًا مَعَ زَوْجَتِكَ ، وَلَا تَخْرُجْ مِنْ مَنْزِلِكَ أَبَدًا ، وَتَنَاوَلَا مِنْ هَذَا الْعَسَلِ قَبْلَ الْمُعَاشَرَةِ ، وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا بِذَلِكَ ، وَإِلَّا فَلَنْ تَحْمِلَ زَوْجَتُكَ .

مَرَّتِ الْعُشْرُونَ يَوْمًا ، وَشَاءَ اللهُ أَنْ تَحْمِلَ ، فَقَرَّبَهُ الْعُمْدَةُ وَأَكْرَمَهُ وَأَسْكَنَهُ فِي إِحْدَى دُورِهِ بُدُونِ أَيِّ مُقَابِلٍ .

ذَاعَ صِيتُ الضَّرِيرِ خَبِيرٍ ، وَجَاءَهُ أَعْنَاءٌ مِنَ النَّاسِ ، وَكَانَ يَنْجَحُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ ، وَالَّتِي لَا يَتَوَفَّقُ فِيهَا يُحَوِّلُهَا إِلَى الْعُمْدَةِ ؛ لِيُقْنِعَهُ فِي الْإِِعَادَةِ وَعَدَمِ الْيَأْسِ .

وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأيَّامِ أَتَى الضَّرِيرَ قَاضِي بَلْدَةِ الْحَسْمِ ، وَجَلَسَ بِجَانِبِهِ ثُمَّ قَالَ : إِنِّي طَوِيلُ الْقَامَةِ ، وَجَمِيعُ أَوْلَادِي قَصِيرُو الْقَامَةِ ، فَهَلْ مِنْ وَصِيَّةٍ تُوصِيهَا ؟
قَالَ الضَّرِيرُ : وَصِيَّتِي بَاهِظَةُ الثَّمَنِ .
قَالَ القَاضِي : مَاذَا تُرٍيدُ ؟
قَالَ : سَمِعْتُ أَنَّ لَكَ أَمْلَاكًا وَمَحَلَّاتٍ كَثِيرَةً .
قَالَ القَاضِي : نَعَمْ .
قَالَ الضَّرِيرُ : تُمَلّكَنِي إِحْدَى مَحَلَّاتِ الذَّهَبِ !
قَالَ الْقَاضِي : لَكَ ذَلِكَ .

وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي جَاءَهُ بِصَكِّ التَمْلِيكِ .
نَادَى خَبِيرٌ زَوْجَتَهُ وَقَالَ لَهَا : اِقْرَئِي الصَّكَّ .
طَالَعَتْ غَدِيرُ فِي الصَّكِّ ، ثُمَّ تَهَلَّلَ وَجْهُهُا فَرَحًا وَقَالَتْ : أُوصِه ، وَذَهَبَتْ .
قَالَ الضَّرِيرُ : الْعِلَّةُ تَكْمَنُ فِي عَدَمِ إِطَالَتِكَ يَا قَاضِينَا ، اطَلْ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِكَ ، وَسَوْفَ يَخْرُجُونَ مِنْ صُلْبِكَ أَوْلَادًا طِوَالًا بِمشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى ، وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا ؛ وَإِلَّا فَلَنْ يَتَحَقَّقَ لَكَ مَا تُرِيدُ .

حَمَلَتْ زَوْجَةُ القَاضِي ، وَبعْدَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَلَدَتْ ، ثُمَّ اِنْتَظَرَ حَتَّى أَصْبَحَ عُمْرُ الْوَلَدِ سَبْعًا ؛ لِيعْرِفَ مِنْ خِلَالِ بُنْيَتِهِ أَنَّهُ سَيطُولُ أَمْ لَا ؟
تَنَبَّأَ القَاضِي وَتَوَقَّعَ أَنَّ وَلَدَهُ لَنْ يُصْبِحَ طَوِيلًا ؛ لَأنَّ نُمَوَّهُ كَانَ مِثْلَ إِخْوَتِهِ السَّابِقِينَ .

ذَهَبَ الْقَاضِي إِلَى الضَّرِيرِ وَقَالَ لَهُ : لَقَدْ طَبَّقْتُ تَعْلِيمَاتِكَ ، وَأَتَوَقَّعُ أَنَّ وَلَدِي لَنْ يُصْبِحَ طَوِيلًا .
قَالَ الضَّرِيرُ : لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ ، اِنْتَظِرْ سَبْعًا أُخْرَى ثُمَّ انْظُرْ !
اِقْتَنَعَ القَاضِي بِكَلَامِهِ وَانْصَرَفَ .

وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأيَّامِ جَاءَهُ الْوَزِيرُ وَقَالَ لَهُ : إِنِّي أَبْيَضٌ وَكَذَلِكَ زَوْجَتِي ، لَكِنَّ أَوْلَادِي سُمْرٌ !
قَالَ الضَّرِيرُ : سَمِعْتُ أَنَّ مَعَكَ مَزَارِعَ كَثِيرَةً .
قَالَ الْوَزِيرُ : نَعَمْ وَالْحَمْدُللهِ .
قَالَ الضَّرِيرُ : تُمَلِّكَنِي مَزْرَعَةً تَخْتَارُهَا زَوْجَتِي ، وَبعْدَ ذَلِكَ سَأُوصِيكَ بِشَيْءٍ يَجْعَلُ نَسْلُكَ بِيضًا بِمَشِيئةِ اللهِ .
قَالَ الْوَزِيرُ : لَكَ ذَلِكَ .
نَادَى خَبِيرٌ زَوْجَتَهُ غَدِيرَ ، وَذَهَبَا مَعَ الْوَزِيرِ ؛ لِاخْتِيَارِ الْمَزْرَعَةِ .
أٌعْجِبَتْ غَدِيرُ بٍمَزْرَعَةٍ عَلَى مَوْقَعٍ جَذَّابٍ .
قَالَ خَبِيرٌ لِلْوَزِيرِ : اِجْعَلْ هَذِهِ الْمَزْرَعَةَ بِاسْمِ زَوْجَتِي ؛ لَأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .
كَتَبَ الْوَزِيرُ الْمَزْرَعَةَ بِاسْمِ غَدِيرِ ، فَفَرِحَتْ وَشَكَرَتْ زَوْجَهَا عَلَى حُسْنِ صَنِيعِهِ .

وَفِي الطَّرِيقِ خَافَتَ الضَّرِيرُ لِلْوَزِيرِ قَائِلًا : صَارِحْنِي وَلَا تخجَلْ ، أَنْتَ تَنَامُ مَعَ زَوْجِتَكَ لَيْلًا وَلَا تَأْتِيهَا فِي النَّهَارِ ؟
قَالَ الْوَزِيرُ : نَعَمْ ، وَهَذَا طَبِيعَةُ عَمَلِي .
قَالَ الضَّرِيرُ : اطْلُبْ إِجَازَةً لِمُدَّةِ شَهْرٍ ، وَبَاشِرْ زَوْجَتَكَ فِي النَّهَارِ ، وَافْطُرَا مِنْ هَذَا الْعَسَلِ فِي بِدَايَةِ وَقْتِ الضُّحَى ، وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا بِذَلِكَ ؛ وَإِلَّا فَلَنْ يَتَحَقَّقَ لَكَ مَا تُرِيدُ .

أَخَذَ الْوَزِيرُ إِجَازَةً لِمُدَّةِ شَهْرٍ ، وَبَعْدَ ذَلِكَ حَمَلَتْ زَوْجَتُهُ حَمْلًا خَفِيفًا ، ثُمَّ أَثْقَلَتْ ، ثُمَّ وَضَعَتْ .

اِسْتَبْشَرَ الْوَزِيرُ بِالْمَوْلُودِ الْمُنْتَظَرِ ، وَتَحَيَّنَ أَيَّامًا ؛ لِيَتْحَقَّقَ مِنْ لَوْنِ بَشَرَتِهِ ، وُسُرَّ قَلِيلًا عِنْدَمَا رَآهُ قَمْحِيًا ، لَكِنَّهُ كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ أَبْيَضًا .

تَوَجَّهَ الْوْزِيرُ إِلَى الْأَعْمَى وَقَالَ لَهُ : لَقَدْ وَلَدَتْ زَوْجَتِي صَبِيًّا مُتَوِسَطَ الْبَشَرَةِ .
فَقَالَ لِلْوَزِيرِ : مُبَارَكٌ مُبَارَكٌ ، قُلِ الْحَمْدُللهِ ، لَكِنْ عِنْدِي سُؤَالًا !
هَلْ وَطَأَتَ زَوْجَتَكَ فِي يَوْمٍ قَبْلَ غُروبِ الشَّمْسِ ؟
قَالَ الْوَزِيرُ : نَعَمْ .
فَقَالَ خَبٍيرٌ : ذَاكَ هُوَ السَّبَبُ ، خُذْ قِنِّينَةَ عَسَلٍ هَدِيَةً مِنِّي ، وَاتَّبِعْ مَا أَعْلَمْتُكَ بِهِ سَابِقًا .

قَبِلَ الْوَزِيرُ الْهَدِيَّةَ وَاقْتَنَعِ بِكَلَامِهِ ، وَلمْ يُطَالِبْهُ بِإِعَادَةِ مَا مَلَّكَ بِهِ زَوْجَتَهُ .

وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ طَلَبَهُ حَاكِمُ الْبَلْدَةِ ، فَلَمَّا مُثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ : إِنَّ زَوْجَتِي نَحِفَتْ فَجْأَةً ! وَقَدْ أَقْلَقَتْنِي وَأَشْغَلَتْ عَقْلِي ، وَقَدْ أَحْضَرْتُ لَهَا أَفْضَلَ الْأَطِبَاءِ وَلَكِنْ دُونَ جَدْوَى ، فَهَلْ عِنْدَكَ مَا يُبَدِّلُ مِنْ حَالِهَا ؟
قَالَ خَبِيرٌ : إِنْ جَلَبْتُ دَوَاءً يَجْعَلُهَا تَسْتَعِيدُ جِسْمَهَا خِلَالَ شَهْرٍ فَبمَاذَا سَتَجُودُ عَليَّ ؟
قَالَ الْحَاكِمُ : لَكَ مَا تَشَاءُ ، سَلْ تُعْطَ ، وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ تَتَحَسَّنَ .
قَالَ خَبِيرٌ : مُوَافِقٌ ، عَنْ إِذْنِكَ يَا سَيَّدِي ، سَآتِي غَدًا وَمَعِي الدَّوَاءُ إِنْ شَاءَ اللهُ .

وفِي الْيَوْمِ التَّالِي جَاءَ الضَّرِيرُ تَقُودُهُ زَوْجَتُهُ غَدِيرُ ، وَمَعَهُمَا قَارُورَتَان مَمْلُوءَتَانِ بِالْعَسَلِ ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَى الْحَاكِمِ وَقَالَ : تَأْخُذُ زَوْجَتُكَ مِنْ هَذَا الْعَسَلِ لِمُدَّةِ شَهْرٍ وَلَا تَأْكلْ مَعَهُ شَيْئًا .
قَالَ الْحَاكِمُ : مَا هَذَا ؟
قَالَ خَبِيرٌ : خَلْطَةُ الْعَسَلِ السِّحْرِيَّةُ !

سَمِعَتْ زَوْجَةُ الْحَاكِمِ قَوْلَ الضَّرِيرِ مِنْ حُجْرَتِهَا وَقَالَتْ : سَأَتَّبِعُ التَّعْلِيمَاتِ بِحَذَافِيرِهَا .

وَبَعْدَ أُسْبُوعٍ بَدَأَ وَجْهُهَا فِي الْانْتَفَاخِ ، فَانْبَسَطَ الْحَاكِمُ ، وَبَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ اِنْتَفَخَ بَطَنُهَا وَلَمْ يَأْبَهْ بِذَلِكَ وَقَالَ : لَعَلَّهُ خَيْرٌ ، وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعٍ اِنْتَفَخَتْ قَدَمَاهَا فَقَالَ : الْعَجَلَةُ مِنَ النَّدَامَةِ ، وَبَعْدَ أَرْبَعَةِ أَسَابِيعٍ نَازَعَتْ ثُمَّ تُوُّفِّيَتْ .

أَرْسَلَ الْحَاكِمُ جُنُودَهُ لِلْقَبْضِ عَلَى الضَّرِيرِ خَبِيرٍ ، فَلَمَّا اِسْتَكَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لِوَزِيرِهِ : ادْخِلْ هَذَا الْأَعْمَى السِّجْنَ ، وَاجْعَلْ عَسَلَهُ غِذَاءَهُ لِمُدَّةِ شَهْرٍ .

نَفَّذَ الْوَزِيرُ أَوَامِرَ الْحَاكِمِ ، وَبَعْدَ أُسْبُوعٍ اِنْتَفَخَ وَجْهُهُ ، وَبَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ اِنْتَفَخَ بَطْنُهُ ، وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعٍ تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ ، وَبَعْدَ أَرْبَعَةِ أَسَابِيعٍ نَازَعَ ثُمَّ مَاتَ .

أَخْبَرَ الْوَزِيرُ الْحَاكِمَ بِأَنَّ خَبِيرًا قَدْ فَطَسَ .
فَقَالَ : الْحُمدُ للهِ ، لَقَدْ اِسْتَرَاحَ الْعِبَادُ مِنْ غِشِّهِ وَدَجْلِهِ وَنَصْبِهِ .
فَقَالَ الْوَزِيرُ : فِعْلًا الْحَمْدُ للهِ .
أَيُّهَا الْحَاكِمُ : لَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ زَوْجَتَهُ هِيَ الَّتِي تُسَوِّي الْعَسَلَ .

عَلِمَتْ غَدِيرُ بَأَنَّ زَوْجَهَا قَدْ مَاتَ ، وَأَنَّ الْحَاكِمَ سَيُرْسِلُ جَنُودَهُ لِاعْتِقَالِهَا ، فَتَخَفَّتْ وَفَرَّتْ بِجِلْدِهَا إِلَى عَالَمٍ مَجْهُولٍ .

ذَهَبَ جُنُودُ الْحَاكِمِ فِي مَهَمَّةِ اعْتِقَالِ غَدِيرَ ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى مَسْكَنِهَا طَرَقُوا البَابَ فَلَمْ يَرُدَّ أَحَدٌ ، فَاقْتَحَمُوا الْمَنْزِلَ وَلَمْ يَجِدُوا أَحَدًا ، وَلَاحَظُوا وَرَقَةً فَوْقَ الْعَسَلِ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا : إِذَا تَنَاوَلَتَ مِنْهُ يَوْمِيًا لِمُدَّةِ شَهْرٍ فَسَوْفَ تَتَحَقَّقُ جَمِيعُ أُمْنِيَاتِكَ ، وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا ؛ وَإِلَّا فَلَنْ يَتَحَقَّقَ لَكَ أَيُّ شَيْءٍ .

أَخَذَ كُلُّ جُنْدِيٍّ قَارُورَةً وَأَخْفَاهَا ، وَبَعْدَ هُنَيْهَةٍ جَاؤُوا إِلَى الْحَاكِمِ وَقَالُوا : لَقَدْ بَحَثْنَا فِي مَسْكَنِهَا وَلَمْ نَجِدْهَا ، وَلَكِنْ وَجَدْنَا وَرَقَةً عِنْدَ الْبَابِ لَمْ نَفْتَحْهَا !
أَخَذَهَا الْحَاكِمُ وَفَتَحَهَا ثُمَّ قَالَ : مَنْ قَرَأَ مِنْكُمْ مَا فِيهَا ؟
قَالُوا : لَا أَحَدٌ .
فَقَالَ : أَيْنَ الْعَسَلُ ؟
فَقَالُوا : كَيْفَ عَرَفْتَ أَنَّ مَعَنَا عَسَلًا ؟
قَالَ : مَكْْتُوبٌ فِي الْوَرَقَةِ ، إِنَّ جُنُودَكَ قَدْ جَاؤُوا وَأَخَذُوا قَوَارِيرَ الْعَسَلِ بُدُونِ مُقَابِلٍ ، أَرْجُو أَنْ يَدْفَعُوا ثَمَنَهَا وَأَنْ يُسَلِّمُوا الْمَبْلَغَ لِلْعُمْدَةِ ، فَفَتَّشَهُمْ وَوَجَدَ مَعَ كُلِّ وَاحِدِ قَارُورَةَ عَسَلٍ .

نَادَى الْحَاكِمُ وَزِيرَهُ صَارِخًا : اِئْتِ بِالْعُمْدَةِ وَاسْجُنْهُ مَعَ هَؤُلَاءِ الْجُنُودِ ، وَأَطْعِمْهُمْ مِنْ هَذَا الْعَسَلِ كُلَّ يَوْمٍ لِمُدَّةِ شَهْرٍ .

تأليف : مهدي جدُّه حكمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى